عندما سُئل العقّادُ مرة : هل الفنون الجميلة من ضروراتِ الحياة ، أم هي كمالياتٌ تأتي بعد لقمة العيش ؟
أجاب : " بوسعنا العيش دون مَلكة النظر سبعين عامًا دون أن نهلك ، ولا نقدر أن نعيش سبعين يومًا دون الرغيف ، ولم يقل أحدٌ لهذا إن الرغيفَ أهمُّ من البصر !
وبتقييم السوق : الرغيفُ أرخصُ من الكتاب ، والتمثالُ أغلَى من الثوب ؛ فقيمةُ الشيء لا تتعلق بقدر الحاجة إليه ، بل بقدر ما نصبح عليه إذا حصَّلناه ؛ فتحصيلُنا الرغيفَ يساوينا بسائر الأحياء ، ولكنْ تحصيلُنا الجمالَ لا يجعلُنا أحياءً وحسب ، بل يجعلنا بشرًا ممتازين فى أمَّة ممتازة ، تُحِسُّ وتُحسنُ التعبيرَ عن إحساسها .
الضروراتُ توكلُنا بالأدنَى من مراتب الحياة ، أما الذي يرفعنا إلى الأوج من طبقات الإنسان فهو الفنون . "
ارتبطت الفنون بالإنسان منذ وجوده على هذه الحياة ، فكان يعبّر داخل الكهوف بتلك النقوش البسيطة في شكلها ، العميقة في معناها ، أو من خلال الأرض وفنّها كفلسفةٍ على الوجود ، أو البحث عن ماهية المعنى وسريالية اللامعنى ! وهو اتجاهٌ مأخوذ من المفاهيمية .
ولهذا يصبح مقياس الحضارة ، وتقدم الأمم في أي بلدٍ هو نتاجهم الفني والأدبي ؛ لذلك نجد أن الفنون الجميلة تحمل في أغوارها رسائلُ سامية ، وأهدافٌ نبيلة كالفنون الإسلامية وارتباطها بحياة المسلم ؛ ولنا في كنزنا المفقود _ الأندلس _ خير إرثٍ وأجمل تصويرٍ وتكوين .
من هنا تظهر أهمية الجمال ، وتأثيره على الإنسان المتذوّق والمستشعر لذّة الدهشة التي تتركها فيه الفنون !
فكلما اقتربنا من دائرة الجمال ؛ ارتفعنا إنسانيًا وابتعدنا عن كل سفاسف الأمور ، فيصبح السلام بِذرةً تنمو في جسد كل من ارتوى بعينه ، ثم استشعر بقلبه وابتعد عن كل ممارسات القبح والشر !
ومِن النُبل أن يُدهشك الفن بقضيةٍ تُثار من أجلها أشجانك ، ويتجلّى سؤالك واستنكارك ؛ حول تلك الخطوط وسبب لقائها في فضاء اللوحة ، عن انكسارها وتقطعها بعد ذلك ، والحلم الكامن خلفها ، وتلك التقاسيم وسبب وجودها ! اللون وفلسفته ، والعديد من المشاعر تحرك بداخلك شيئًا من الدهشة والرقة ، الغموض والسؤال ، ثم الدخول لبواباتٍ من الذهول والسلام !
فتبارك ربنا وتعالى حين قال :﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾ وفيه خير شاهد لضرورة التعمق في كل مايفيد تلك النفس الإنسانية .
وأن كل تلك الأحاسيس هي شُعورٌ فطري ينبع من أغوار النفس وبحثها نحو الكمال !
انتهىٰ .
عُبيد الصّافي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق